البحث العلمي في عصر المعلومات ووسائط الاتصال



هناك، على الأقل، ثلاث ملاحظات كبرى لا بد من إبدائها هنا رفعا لكل لبس ودرءا لكل التباس:

- الملاحظة الأولى تكمن في القول بأننا لسنا اليوم بإزاء عصر للمعلومات تماما كما لم نكن يوما بإزاء عصر للخشب أو للحديد أو للنفط أو لغيرها.



صحيح أننا بإزاء عصر ازدادت خلاله وتيرة إنتاج واستغلال وتداول المعلومات (تقنية ومحتويات)، لكنها لا تبرر للتسمية (تسمية عصر المعلومات) على اعتبار أن لكل عصر طفرته المعلوماتية على الأقل منذ اختراع المطبعة في القرن الخامس عشر.



بالتالي، فحجم المعلومات وتعدد وسائل إنتاجها وتداولها لا تفسر لوحدها التسمية أو تبررها، إذ هناك عوامل ثقافية واجتماعية ونفسية وغيرها قد تكون حائلا موضوعيا دون ذلك.



- الملاحظة الثانية: ما المقصود بالبحث العلمي تحديدا؟ هل هو البحث في العلوم الدقيقة من علوم أحياء وبيوتكنولوجيا وعلوم أرض وفضاء وتكنولوجيا اتصالات ومعلوماتية (وهي غالبا ما تتم داخل المختبرات) أم المعنى المقصود هو كل ما يتعلق بالاقتصاد السياسي للمعلومات والاتصال والاقتصاد الصناعي للشبكات وعلوم النفس والاجتماع والإحصاءات ومراصد تتبع تنقل المعلومات واستهلاكها (وهي أمور تتم خارج المختبرات ويقوم على إنجازها دارسون في العلوم الاجتماعية والإنسانية)؟



لماذا هذا التساؤل؟ لأنه يحدد قراءتنا لميزانيات البحث العلمي وطبيعة المشاريع التي يقوم على تمويلها. بمعنى هل هي مخصصة للاكتشاف والإبداع والتنمية والتطوير أم تراها مخصصة لدراسة التبعات والأبعاد والخلفيات الاجتماعية والنفسية والثقافية لذلك، أي لدراسة ما يترتب عن البحث العلمي "المختبري".



- الملاحظة الثالثة وتتعلق بالطابع غير المستقر لطرفي المعادلة (البحث العلمي من جهة و"عصر المعلومات" من جهة ثانية). بالتالي فمقاربة معادلة كهذه (عناصرها متحركة باستمرار) هو أمر متعذرا بكل المقاييس.



معنى هذا أن الحديث في ذات المعادلة (من جانب السببية أو التفاعلية التي تربط أطرافها) يبقى بمعظم الحالات حديثا مؤقتا وغير موثق بما فيه الكفاية.



لهذه الأسباب والاعتبارات، أعتقد أن تلمس العلاقة المطروحة هو إلى حد بعيد محكوم بمجموعة من الحقائق والمعطيات التي من شأنها هنا إضاءة بعض الجوانب:



+ الحقيقة الأولى وتتمثل في أن العالم بدأ ينتقل تدريجيا (ومنذ مدة) من اقتصاد للسوق تقليدي وملموس إلى اقتصاد شبكات ذي تيارات مستمرة ومتسارعة يبرر جزئيا لمصطلحات الاقتصاد المعرفي أو الاقتصاد اللامادي أو الاقتصاد الافتراضي أو الاقتصاد الجديد أو غيرها.



بالتالي فلم يعد البحث العلمي مرتبطا بإبداع وتصميم السلعة أو الخدمة، بقدر ما أصبح مهتما بما ينتج عنها من ترابطات وتداخلات وتكاملات.



في ميدان تكنولوجيا الإعلام ووسائط الاتصال مثلا لم يعد البحث قطاعيا أي منحصرا داخل قطاع واحد (اتصالات أو سمعي- بصري أو معلوميات أو غيرها) بل أصبح يهتم بمدى ما يتم داخل القطاعات الأخرى، بهدف الاستفادة منها أو النسج على منوالها.



هذه حقيقة مركزية كبرى ليس فقط لأنها تبين بجلاء طبيعة البحث العلمي المتطورة ولكن أيضا لأنها تبين أهمية المتابعة التكنولوجية التي يلجأ إليها الفاعلون بكل قطاع من القطاعات.



+ الحقيقة الثانية: ما اصطلح على تسميته منذ مدة بطفرة تكنولوجيا الإعلام والاتصال (في البنى التحتية كما في المضامين) والذي يطلق عليه أيضا "عصر المعلومات"، هو حقيقة الأمر عامل ونتاج ثلاثة عوامل كبرى في الآن نفسه:



°- أولا الثورة الرقمية. وفضل هذه الثورة الكبير إنما يكمن في قدرتها الفائقة على مزاوجة القطاعات الثلاثة للإعلام والاتصال بعدما كانت، من ذي قبل، مستقلة ومتنافرة ومتنافسة أيضا.

بالتالي فالرهان الأكبر القائم اليوم هو بجهة "مزجها" في قطاع واحد وموحد سيما مع قدوم أجيال الأنترنيت الجديدة ووشك اكتمال بناء الطرق السيارة للإعلام والاتصال.

°- ثم هناك ما يسمى بالقطائع المؤسساتية التي ترتبت عن سنين التحرير وإعادات الهيكلة واللاتقنين والخوصصة وغيرها.

°- وهناك أيضا انفتاح الفضاءات الاقتصادية الذي ترتب عن تقدم ظاهرة العولمة وجعل من شبكات الإعلام والاتصال القلب النابض للاقتصادات الوطنية سيما المتقدمة منها.



هذه العوامل الثلاثة هي التي سرعت، فيما نتصور، من وتيرة التطورات في ميدان الإعلام والاتصال. بالتالي فلم يعد البحث العلمي في القطاع (قطاع الإعلام والاتصال أعني) ترفا ولا نشاطا تكميليا بل أضحى عامل تنافسية ولربما أداة بقاء للعديد من المؤسسات والشركات التي تشتغل في أعتدة ونظم الإعلام والاتصال والمعلومات.



+ الحقيقة الثالثة وتكمن في أن البحث العلمي (خصوصا في ميدان تكنولوجيا الإعلام والاتصال أو في الميادين التي تستوظفها) لم يعد عموديا كما كان من ذي قبل، بل أصبح عملا أفقيا يتم الاشتغال في خضمه بتوظيف امتيازات الشبكات.

بالتالي فالباحثون في مؤسسة ما لم يعودوا مطالبين بالتواجد في فضاء محدد ولا الاشتغال وفق أنماط تنظيم هرمية بقدر ما أصبحوا مرتبطين بعضهم البعض ببنوك للمعطيات يطورون من خلالها أبحاثهم ودراساتهم واتصالاتهم.



معنى هذا أن البحث العلمي اصبح، في ظل الطفرة التكنولوجية في ميدان الإعلام والاتصال، شبكيا وجماعيا( وعن بعد) عكس ما كان عليه الحال سابقا، أي زمني الثورة الصناعية وثورة الخدمات الأولى.



+ الحقيقة الرابعة هو أن الذي يقوم حقا بأعمال البحث والتطوير هم عموما الشركات الكبرى إما مباشرة أو بتفويض منها.

لهذا السبب نجد أن عمليات الاندغامات والانصهارات غالبا ما تتم ليس فقط لتخفيف التكاليف العامة أو بغرض بلوغ أسواق جديدة، ولكن أيضا لبلوغ مستويات حجم من شأنها أن تفرز ميزانيات كبرى للبحث والتطوير.

وللتذكير فقط، ففي سنة 1999 وحدها، كانت هناك حوالي 6300 عملية دغم وصهر بين شركات ذات جنسيات مختلفة طالت ما يناهز 720 مليار دولار، 109 منها خصت رؤوس أموال تجاوزت المليار دولار.



هذه حقيقة مركزية قائمة: من المتعذر على شركة ما تمويل عمليات البحث والتطوير إذا لم تكن ذات حجم كبير ولها من الموارد ما يمكنها من ذلك دونما تأثير على سيرها العادي.



+ الحقيقة الخامسة وتكمن في القول بأنه أصبح من الصعب عموما التمييز بين البحث العلمي العسكري والبحث العلمي ذي الطبيعة المدنية.

والسبب لا يكمن فقط في أن معظم البحوث والتطويرات جاءت من المؤسسة العسكرية ولكن أيضا لأن العديد من البحوث قام بها مدنيون، ثم أيضا لأن من الأنظمة المعلوماتية مثلا المصممة من لدن المؤسسة العسكرية ما تصبح أداة لغزو الأسواق والحصول على عروض.

فنظام إيشلون هو نظام للاستخبارات الأمريكية ، لكنه أيضا نظام للتجسس على منافسين فيما يخص الصفقات الكبرى.



هذا أمر واقع: البحث العلمي العسكري يبقى عسكريا حتى ولو سقط في الميدان العام. والبحث العلمي المدني غالبا ما يكون مسنودا بمؤسسات كبرى ضمنها المؤسسة العسكرية.



+ الحقيقة السادسة وتتمثل في أن البحث هو بداية المطاف ونهايته بحث في المعلومات وعن المعلومات. لكن هذا لا يعني أن تراكم المعلومات هو زيادة في المعرفة أو زيادة في الثقافة.

إذ أن جزءا بسيطا من المعلومات هو الذي يتحول إلى معرفة أولية ثم إلى معرفة منظر لها ثم إلى ثقافة. وهذا يحيل حتما على إشكالية الوصول والتملك وعلى غيرها من النظريات.



ما طبيعة العلاقة (علاقة البحث العلمي ب " طفرة المعلومات") في حالة العالم الثالث والمغرب بالخصوص؟



أولا ليست هناك معطيات كافية كي يستطيع المرء الاحتكام إليها في التحليل أو في التقييم، لكن واقع الحال السائد " بمراكز الأبحاث" كما بالجامعات يبين بما لا يدع مجالا للمزايدة بأننا هنا بإزاء ثلاث مفارقات:



- الأولى أننا نتحدث عن أهمية البحث العلمي ودوره في التنمية، في حين نرى أن الميزانيات المخصصة له ضعيفة جدا وموزعة بطريقة عشوائية ولا تفرز منتوجات أو مخرجات ذات قيمة علمية تذكر.



- الثانية أن القطاعات المكلفة بالبنى التحتية للمعلومات (اتصالات ومعلوميات وغيرها) لا تحتكم إلى استراتيجية في البحث العلمي أو الإبداع التكنولوجي. بالتالي، يبقى قطاع البحث العلمي غير محدد الأهداف ولا مؤطر الغايات.



- الثالثة وترتبط بما سمي منذ مدة بهجرة الأدمغة. الملاحظ أننا نركز خطابا على أهمية المورد البشري ودور الكفاءات وسواها، في حين نلاحظ على مستوى الممارسة نزيفا كبيرا لذات الموارد والكفاءات. وهو ما يشي حتما بغياب التصور المتكامل للحؤول دون هجرتها.



بالتالي، فالمطلوب حاليا هو إنما يتمثل في ضرورة وضع الأسس الموضوعية للبحث العلمي...وأولى تلك الأسس تكمن في ضرورة فضح الخطاب الأجوف الذي يروج بهذا الخصوص.



--------------------------------------------------------------------------------

يحيى اليحياوي

محاضرة، الجمعية المغربية للأساتذة الباحثين، الريساني، 20 أبريل 2002.

جريدة العلم، 18 نونبر 2002

http://www.elyahyaoui.org/rissani3.htm